السيد حيدر الآملي

106

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

في صورة مثال حسّي ، وضرب مثل شهودي ، كإخباره مثلا عن اللّذات المعنويّة الحقيقيّة ، والنعيم الجنانيّة الذوقيّة في صورة اللّبن والعسل والفاكهة والحور والقصور والغلمان والرضوان وأمثال ذلك ، لأنّ هذه كلّها لو كانت من حيث الصورة كما تصوّرها المحجوبون لم يكن يقول في القرآن : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ السجدة / 17 ] . ولم يكن يقول في الحديث القدسي : « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . ولم يكن يقول العارف الرباني عليه السّلام : « كلّ شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه وكلّ شيء من العقبى عيانه أعظم من سماعه » . ولم يكن العارف يقول : « إنّ للّه تعالى جنّة ليس فيها حور ولا قصور ولا لبن ولا عسل بل يتجلّى فيها ربّنا ضاحكا متبسّما » . وهذا إخبار عن كمال الكشف ونهاية المشاهدة بالنسبة إلى جماله وجلاله وإلّا وهو منزّه عن الضحك الصوريّ والتبسّم الحسّي . وكذلك قول النبيّ عليه السّلام : « سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر » . فإنّه إخبار عن الكشف التامّ بحيث لا يبقى معه شك ولا شبهة المعبر عنه أيضا بحق اليقين لقوله : إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ [ الواقعة / 95 ] . وإلّا وهو منزه عن رؤية البصريّة بمعاونة الحسّ ، والدليل على هذا كلّه أنّه أخبر عن مشاهدته في صور الأسماء ومظاهرها الفعليّة بضرب مثل في صورة المشكاة والمصباح والزجاجة والشجرة والزيتون وأمثال ذلك لقوله جلّ ذكره : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي